سيد قطب

2687

في ظلال القرآن

لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا » . فمع الحياء الإبانة والدقة والوضوح ؛ لا التلجلج والتعثر والربكة . وذلك كذلك من إيحاء الفطرة النظيفة السليمة المستقيمة . فالفتاة القويمة تستحي بفطرتها عند لقاء الرجال والحديث معهم ، ولكنها لثقتها بطهارتها واستقامتها لا تضطرب . الاضطراب الذي يطمع ويغري ويهيج ؛ إنما تتحدث في وضوح بالقدر المطلوب ، ولا تزيد . وينهي السياق هذا المشهد فلا يزيد عليه ، ولا يفسح المجال لغير الدعوة من الفتاة ، والاستجابة من موسى . ثم إذا مشهد اللقاء بينه وبين الشيخ الكبير . الذي لم ينص على اسمه . وقيل : إنه ابن أخي شعيب النبي المعروف . وإن اسمه يثرون « 1 » . « فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ ، قالَ : لا تَخَفْ . نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » . . فقد كان موسى في حاجة إلى الأمن ؛ كما كان في حاجة إلى الطعام والشراب . ولكن حاجة نفسه إلى الأمن كانت أشد من حاجة جسمه إلى الزاد . ومن ثم أبرز السياق في مشهد اللقاء قول الشيخ الوقور : « لا تَخَفْ » فجعلها أول لفظ يعقب به على قصصه ليلقي في قلبه الطمأنينة ، ويشعره بالأمان . ثم بين وعلل : « نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » فلا سلطان لهم على مدين ، ولا يصلون لمن فيها بأذى ولا ضرار . ثم نسمع في المشهد صوت الأنوثة المستقيمة السليمة : « قالَتْ إِحْداهُما : يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ . إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ » . إنها وأختها تعانيان من رعي الغنم ، ومن مزاحمة الرجال على الماء ، ومن الاحتكاك الذي لا بد منه للمرأة التي تزاول أعمال الرجال . وهي تتأذى وأختها من هذا كله ؛ وتريد أن تكون امرأة تأوي إلى بيت ؛ امرأة عفيفة مستورة لا تحتك بالرجال الغرباء في المرعى والمسقى . والمرأة العفيفة الروح ، النظيفة القلب ، السليمة الفطرة ، لا تستريح لمزاحمة الرجال ، ولا للتبذل الناشئ من هذه المزاحمة . وها هو ذا شاب غريب طريد وهو في الوقت ذاته قوى أمين . رأت من قوته ما يهابه الرعاء فيفسحون له الطريق ويسقي لهما . وهو غريب . والغريب ضعيف مهما اشتد . ورأت من أمانته ما يجعله عف اللسان والنظر حين توجهت لدعوته . فهي تشير على أبيها باستئجاره ليكفيها وأختها مئونة العمل والاحتكاك والتبذل . وهو قوي على العمل ، أمين على المال . فالأمين على العرض هكذا أمين على ما سواه . وهي لا تتلعثم في هذه الإشارة ولا تضطرب ، ولا تخشى سوء الظن والتهمة . فهي بريئة النفس ، نظيفة الحس ؛ ومن ثم لا تخشى شيئا ، ولا تتمم ولا تجمجم وهي تعرض اقتراحها على أبيها . ولا حاجة لكل ما رواه المفسرون من دلائل قوة موسى . كرفع الحجر الذي يغطي البئر وكان لا يرفعه - فيما قالوا - إلا عشرون أو أربعون أو أكثر أو أقل . فالبئر لم يكن مغطى ، إنما كان الرعاء يسقون فنحاهم وسقى للمرأتين ، أو سقى لهما مع الرعاء .

--> ( 1 ) سبق أن قلت مرة في الظلال : إن هذا الرجل هو شعيب . وقلت مرة : إنه قد يكون النبي شعيبا أو لا يكون . . وأنا الآن أميل إلى ترجيح أنه ليس هو وإنما هو شيخ آخر من مدين . والذي يحمل على هذا الترجيح أن هذا الرجل شيخ كبير . وشعيب شهد مهلك قومه ، المكذبين له ، ولم يبق معه إلا المؤمنون به . فلو كان هو شعيب - النبي - بين بقية قومه المؤمنين ، ما سقوا قبل بنتي نبيهم الشيخ الكبير . فليس هذا سلوك قوم مؤمنين ، ولا معاملتهم لنبيهم وبناته من أول جيل ! يضاف إلى هذا أن القرآن لم يذكر شيئا عن تعليمه لموسى صهره . ولو كان شعيبا النبي لسمعنا صوت النبوة في شيء من هذا مع موسى وقد عاش معه عشر سنوات .